header

لقاء مع النّاقد الجزائري الأستاذ الدكتور نور الدين صدار

 
حاورته الكاتبة / سناء الشعلان
 
صدار : أنا رجل يحاول أن يقرأ النص الإبداعي وفق القراءة التي يرتضيها النص نفسه
صدار : إشكالية النقد العربي المعاصر هي إشكالية المصطلح نقدي نفسه
صدار : النقد في تصوري حرفة وصناعة .
صدار: لا مستقبل للإبداع الأدبي في غياب القراءة الواعية والمنتجة لحقيقة النص .

صدار:التناص فهو تفاعل مشروع بين النصوص
* إطلالة: الدكتور نور الدين صدّار علم من أعلام المناهج النقدية وتحليل الخطاب في الجزائر والوطن العربي.يعمل حاليّاً عميداً لكلية الآداب واللغات في جامعة معسكر.تقلّد الكثير من الوظائف الأكاديمية والبحثية والتقيمية في الجزائر وخارجه،شارك في العشرات من المؤتمرات المحلية والعربية والدولية حول البنيوية التكوينية ، الأسلوبية ، السيميائية ، المدارس النقدية ، نظرية النص ،التناص ، نظرية القراءة وجمالية التقبل ،وتعليم العربية لغير الناطقين بها.عنده نحو 13 مؤلّف في حقول اهتمامه الأكاديميّ،آخرها كتابه “البنيوية التكوينية مقاربة نقدية في التنظير والإنجاز” فضلاً عن العشرات من الأبحاث العلميّة المحكمة المنشورة.
1- كيف أثّر النقد وتخصّصك الأكاديميّ على تفكيرك ووعيك وحياتك الخاصّة؟

الواقع إن النقد الأدبي وإن كان منطلقه الذوق وهو أساس العملية النقدية ،إلا أنه فكر ومنهج وعلم ، وبالتالي فإن الناقد بوصفه قارئا حصيفا متميزا عليه أن يتزود بهذه الأدوات المنهجية والعلمية التي تقتضيها القراءة المنهجية للنص الإبداعي ، وإلا فإن القراءة ستصبح مجرد قراءة انطباعية فحسب. ومن هنا يكون مدخل تأثير النقد على التخصص الأكاديمي وعلى الوعي والتفكير في حياة أي ناقد يدعي لنفسه الصرامة المنهجية. فالنقد تفكير ومنهج ومثل هذا السلوك لا يتوقف عند القراءة لأي إبداع ، بل يصبح ممارسة فعلية في حياة الناقد ، وفي تفكيره ومنهجه ووعيه منهجه وحتى في سلوكه اليومي مع الناس يخضع لهذا التنظيم المنهجي الذي استقاه من ممارسته النقدية .
2 ـ هل النّقد حرفة أكاديميّة أم توجّه رؤيوي في الحياة؟
هما الاثنان معا ، فالنقد في المفهوم اللفظي للكلمة هو تقويم ،والتقويم حرفة والحرفة تقتضي الدربة والممارسة والتجربة والصنعة ، وهذا ما جعل نقادنا القدماء يطلقون مصطلح الصناعة على العملية النقدية ، وهذا ابن طباطبا يطلق على كتابه الشهير عنوان”‘ كتاب الصناعتين “، فضلا عن القراءة الواعية للمناهج النقدية في أصولها ومرجعياتها الفكرية والفلسفية والابستيمولوجية ، وللآليات المنهجية التي هي مفاهيم وأدوات إجرائية ينبغي التحكم فيها لتكون القراءة علمية واعية وفقا لما تقتضيه الصرامة المنهجية ، زد على ذلك القراءة المتأنية للنصوص الإبداعية ، وهو ــ و أعني النقد ـــ علاوة على ذلك توجه رؤيوي في الحياة ، مبني على قناعات ومكونات ومرجعيات فكرية وغيرها مما يوجه القراءة النقدية ، ومن هنا كان النقد في تصوري حرفة وصناعة ـــ ليس للعيش ــ وتوجه في الحياة ، لأن الناقد يسعى من خلال قراءته ترسيخ وإقامة مشروعه الثقافي الذي لا يمكن البتة فصله المشروع الثقافي الوطني والقومي.
3 ـــ ما هو مشروعك النقدي؟

هذه كلمة كبيرة ، فليس بمقدور فرد اليوم أن يقوم عداد وإنجاز مشروع نقدي دون أن تتدخل معه أطراف أخرى ، وطبيعة المشاريع العلمية الصارمة تقتضي ــ اليوم ـــ التدخل الجماعي من خلال فرق بحثية متخصصة تساهم في تركيب المشروع النقدي ، ومن هنا بات أمر تحقيق المشروع النقدي صعبا للغاية. وبغية تحقيق فكرة المشروع النقدي الذي نطمح أن يلعب دورا هاما في تفعيل الحركة النقدية العربية المعاصرة ،انشأت منذ سنتين مخبرا نقديا أطلقت عليه عنوان مخبر ” المناهج النقدية المعاصرة وتحليل الخطاب ” يتشكل من اربع فرق بحثية تشتغل على مشاريع بحثية بدأت نتائجها تظهر إلى الوجود من خلال تنظيم مؤتمرات وندوات علمية فضلا عن دراسات نقدية ، آخرها المشروع الموسوم : “البنيوية التكوينية بين التنظير والإنجاز“، الذي يعد ثمرة من ثمرات مشروعنا النقدي والذي ستتلوه إنتاجات بحثية في المستقبل القريب . وهكذا حينما يكون العمل الجماعي الجاد تتحقق المشاريع النقدية الصارمة .
4 ـ بوصفك ناقداً هل تؤمن بمقولة ” إنّ النّاقد هو أديب فاشل؟
تنطوي هذه المقولة على مغالطة كبيرة تنقص من رسالة الناقد ، بل تجعل دوره دورا ثانويا هامشيا وهذا غير صحيح . لقد جاءت نظرية القراءة لتعيد الاعتبار لدور الناقد الذي كان مهمشا، بل إن الناقد في ضوء هذه النظرية قارئ منتج ومبدع. ولا قيمة للإبداع إذا لم يحظ بالقراءة الجادة التي تمكن من بعث النص الأدبي إلى الوجود، وتعطيه قيمته ودلالته ، وبدون قراءة يصبح النص في حكم النسيان والطمس. إننا عيش اليوم في عصر القراءة ، وإن الإيمان بهذه المقولة هو ضربة قاضية للإبداع نفسه الذي لا يستقيم عوده إلا في ضوء قراءة واعية منتجة ومبدعة .
5 ــهل النقد قضية أساسيّة في عملية الإنتاج الإبداعي؟أم هو حالة استدراكيّة على الإبداع؟

الواقع فإن هذا السؤال متفرع عن السؤال السابق ،فإذا كنا قد أكدنا في الإجابة السابقة على الرسالة المنوطة بالناقد المعاصر ،وهي رسالة تعطي للناقد صفة المنتج والمبدع الثاني للنص الإبداعي ، و قد اتينا في الوقت ذاته على تفنيد المقولة القائلة:” إن الناقد هو أديب فاشل” ، وأكدنا على التصور الجديد للعملية النقدية وهو تصور يؤكد على الصفة الإنتاجية والإبداعية للممارسة النقدية، فمعنى ذلك أن النقد قضية أساسية في عملية الإنتاج الإبداعي، وليس حالة استدراكية كما يتوهم للبعض. فلا مستقبل للإبداع الأدبي في غياب القراءة الواعية والمنتجة لحقيقة النص .
6 ـ كيف توصّف النقد العربي والجزائري؟

النقد الجزائري ــ بطبيعة الحال ـــ له خصوصيته وهويته ، وهي هوية لا يمكن فصلها أوبترها عن الخصوصية العربية ، فلا نستطيع أن نقول إنه بخير ، كما لا نستطيع أن نقول إنه في أسفل السافلين ، وفي اعتقدي فإن النقد العربي والجزائري على الخصوص ينقسم إلى قسمين الأول يتمظهر في الكتابات النقدية التي تنشرها المجلات النقدية المتخصصة والصحف اليومية في أعمدتها الثقافية والأدبية ، وهو في عمومه نقد يحاول أن يستأنس بالقضايا الحداثية ، وهي الغالب الأعم قضايا تجنح إلى التكرار والرتابة ، والثاني وهو النقد الأكاديمي المتمثل في الرسائل الجامعية من ماجستير ودكتوراه، وهو في عمومه يبقى نقدا غير معروف في الأوساط النقدية والثقافية بسبب عدم نشره.
7 ــ لم ينتج العرب حتى الآن نظرية نقدية معاصرة، بل استوردوا النّظريات جميعها من الغرب. بما تفسّر ذلك؟

ليس من السهل إنتاج نظرية نقدية معاصرة ،قد نتخلص من التبعية الاقتصادية والتكنولوجية ولما نتخلص من استيراد النظريات من الفكر الغربي ، وتبقى تبعيتنا للغرب في هذا المجال مستمرة لسبب بسيط وهوأن الغرب قام بحفريات عميقة في أركيولوجية المعرفة والفكر والفلسفة، وامتلك الأدوات المعرفية والمنهجية التي مكنته من إنتاج نظرية تنتج المعرفة ومنها هذه النظريات النقدية المعاصرة ، ويتبين لنا هذا الأمر حينما نحاول تمثل هذه النظريات الغربية فنجد أنفسنا مضطرين إلى البحث في مرجعياتها الأبستمولوجيا لمحاولة فهم مكوناتها ومنظوماتها المفاهيمية. وهذا لم نستطيع القيام به فلو أننا قمنا بحفريات عميقة في الحقول المعرفية في ثقافتنا العربية لاستطعنا أن نكون لأنفسنا نظرية عربية في الفكر والمعرفة ، ولن يتأتى ذلك إلا بتعاون كبير بين مختلف مفكرينا وعلمائنا في إطار منظم يسمح لنا بإنتاج أدوات المعرفة التي تتيح لنا بدورها إنتاج النظريات العربية التي نطمح إليها.
8ــــ هل الإبداع العربي في حاجة إلى بناء نظريات نقدية خاصّة به؟

نعم في مقدورنا أن نعود إلى النظريات النقدية الغربية لنستفيد منها بما يتلاءم مع طبيعة الإبداع العربي دون أن نتعسف في تطبيق هذه النظريات على أنها نظريات مقدسة . ذلك أن ما لم يمثله بعض نقادنا ومفكرينا أن هذه النظريات فهي على أهميتها المعرفية والمنهجية والمفاهيمية إلا أنها نظريات جاءت لتخدم ثقافة معينة لها خصوصيتها وهويتها . ومن هنا كان وبد أن تأخذ المختبرات النقدية العربية هذه الإشكالية على عاتقها لمحاولة صياغة نظريات عربية تتماشى وطبيعة الإبداع العربي. ويحضرني في هذا السياق مثال واحد أسوقه للتدليل على بعض المحاولات الفردية والتي أصفها بالجادة في نقدنا العربي المعاصر التي حاولت تطويع وتليين بعض النظريات والمناهج النقدية لتجعلها في خدمة الفكر والإبداع العربي ، ويتعلق الأمر بالدراسة التي أنجزها الباحث محمد برادة والموسومة ” محمد مندور وتنظير النقد العربي ” التي حاول من خلالها مقاربة مكونات النظرية النقدية عند الناقد العربي محمد مندور في ضوء المنهج البنيوي التكويني دون أن يسقط في التعسف القاتل في مقولات وأدوات هذا المنهج ، حيث قام بتطويع وتليين مفاهيمه وتطعيمها بمفاهيم وآليات أخرى من مناهج مختلفة بما ينسجم وطبيع الإشكالية التي يناقشها ، ولو حاول محمد برادة تطبيق المنظومة المفاهيمية للمنهج البنيوي التكويني لما حقق شيئا يذكر ، وبذلك استطاع وبذكاء كبير أن يجعل النظرية النقدية في خدمة موضوعة بحثه .
9 – كيف تصف خارطة النظرية النقدية في الوقت الحاضر؟

بكل بساطة يمكن وصف خارطة النظرية النقدية في الوطن العربي ، على أنها نظريا تتأثر بالتقسيم الجغرافي للوطن العربي.فتمثل النظرية النقدية في المغرب العربي يختلف اختلافا كبيرا لدى إخواننا النقاد في المشرق العربي ، وبيان هذا الاختلاف مرتبط بأسباب ثقافية وتاريخية وفكرية ولسانية ( وأعني باللسانية تأثير اللغة والثقافة الفرنسية في بلدان المغرب العربي وتأثير اللغة و الثقافة الإنجليزية في المشرق العربي)، هذه الأسباب المختلفة أثرت بشكل أو بآخر في رسم خارطة النظرية النقدية المعاصرة في الوطن العربي وخصوصا إذا علمنا أن جل المناهج النقدية المعاصرة المشكلة للنظرية النقدية المعاصرة ترتبط بالثقافة الفرنسية ، أو على الأقل كانت فرنسا هي البيئة الأولى الحاضنة لها .ومن هنا اقتربت المسافات لدى البعض وابتعدت لدى البعض الاخر في مقاربة مفاهيم وآليات النظرية النقدية المعاصرة ، أضف إلى ذلك تباين مرجعيات لفكر النقدي المشرقي والفكر النقدي المغاربي.
10 ـ إلى أيّ المدارس النقدية تنتمي؟ ولماذا؟
الواقع أنا لا أنتمي إلى مدرسة نقدية معينة،ولا أدعي أنني أنتسب إلى مدرسة نقدية تحت اسم ما، لسبب بسيط وهو أن كل مدرسه تهدف إلى تحقيق هدف واحد وهوتفسير النص الإبداعي من وجهة نظرها، تفسير يبقى مرفوضا من وجهة المدرسة الأخرى، وعليه فإنني أقف على مسافة واحدة بين كل هذه المدارس والاتجاهات والنظريات النقدية المعاصرة .وما يكمن أن أقوله أنا رجل يحاول أن يقرأ النص الإبداعي وفق القراءة التي يرتضيها النص نفسه فلا أدخل بفكرة أو مقصدية مسبقة، ولا أروج لمنهج معين .
11 ما رأيك بالرّدات النقدية التي نجدها عند الكثير من النقاد الذين يتحولون دون سابق تسويغ من مدرسة نقدية إلى أخرى؟

هذه موضة ليست جديدة في ثقافتنا العربية ، فقد سقط نقاد كثر في أحضان المدارس والمناهج النقدية دون وعي أو تبصر أو حتى فهم في كثير من الأحيان لمفاهيمه وآلياتها ومصطلحاتها، وكانت النتيجة أنهم سوقوا أفكارا ومقاربات متذبذبة فيها كثير ما الخلط واللغط والتناقض ، لذا نجد هذه الفئة من أشباه النقاد يحاولون دوما القفز على حبال كثيرة ، خوفا من البقاء على حبل معين، ولكن حينا يكون السقوط فإن العواقب ستكون وخيمة .، ولذا فأنا لست مع التسويق ولا مع الرفض .
12 هل النظرية النقدية يمكن أن تكون نظرة للوجود كما هي زاوية نظر للنص الإبداعي؟

النظرية النقدية من منظوري وجدت لمقاربة الوجود الإبداعي ، الذي هو بدوره تمثيل لوجود الوجود بقيمه وتناقضاته وهمومه وأفراحه وأحزانه وحريته،وبالتالي فإن النظرية النقدية هي من هذه الزاوية قراءة للوجود وتفسير له وفهم لماهيته ومكوناته البانية ، زد على فإن النظرية النقدية تستمد مقوماتها ومكوناتها من مرجعيات أبستمولوجيا وجودية ، فهي قراءة للوجود من زاوية نظر للنص الإبداعي .
13 – هل تؤمن بموت المبدع بعد إنتاج نصّه؟

هذه أكذوبة من أكاذيب ‘رولان بارت ‘ ـــ ونحن نقدر فكر هذا الرجل ومساهماته اللامحدودة في النقد المعاصر ـــ وهي فكرة مستمدة فكر الفيلسوف الألماني ‘نيتشه ‘ والقائلة بموت الإله ، ويعني بموت الفلسفة المركزية . والواقع فإن فكرة موت المؤلف فكرة افتراضية جاءت كرد فعل من الاتجاه البنيوي على المناهج السياقة التي أولت اهتماما للمؤلف، فجاءت البنيوية الشكلية لتؤكد من خلال هذه المقولة على اهتمامها بالنص وليس إلا النص . ومهما حاولت البنيوية الشكلية أن تهمش المؤلف من حساباتها البنيوية إلا أن المؤلف يبقى حاضرا بقوة وبشدة . فهل مات شكسبير بعد أن نالت مسرحياته الشهرة العلمية عبر العديد من القرون. وهل نسي القارئ ‘ إميل زولا ‘ بعد رواية ‘ جارمينال ‘ ، وهل مات ‘ راسين ‘ بعد مسرحياته ، وهل مات ‘ بسكال ‘ بعد أفكاره..؟ إن المبدع يبقى حيا في قلوب قرائه مهما طال الزمن ، حتى ولو تعنت القارئ بنسيانه.
14 ــــ هل يمكن بحق أن يكون المبدع خارج نصّه تماماً؟أم هو يعيد إنتاج نفسه بطرق مختلفة في نصوصه الإبداعيّة؟

شخصية المبدع تتماهى مع النص الإبداعي ، وبالتالي فإن المبدع حاضر بشكل أو بآخر في نسيج النص ، في كلماته وفي عتباته ، في إيقاعه ، وفي كل مستوى من مستوياته، ولكن ليس بالصورة التعيينية المباشرة ، وعلى الناقد الحصيف أن يبرز هذه الشخصية بآلية التماثل التي تمكن القارئ من رؤية صورة المبدع في مستوى من مستويات أسلوبه، أليس” الأسلوب هو الرجل “. وفي كل مرة نجد نفسية المبدع وشخصيته تتمظهر بمستويات مختلفة وتنويعات متعددة في كتاباته الإبداعية.ولنا في ذلك أمثلة عديدة في الآداب العالمية ، فمن يقرأ مسرحيات ” راسين ” رغم تعددها وتنوعها فإن القارئ في نهاية قراءته يجد ‘راسين ‘ يعيد إنتاج نفسه من خلال رؤيته المأساوية التي لطالما هيمنت على كل نتاجه المسرحي.
15 – هل فلسفة العلامة رؤية نقدية أم حالة إبداعية ترميزية؟

بالطبع فإن فلسفة العلامة هي رؤية نقدية لأن العلامة بهذا المفهوم تحمل دلالة سيميائية ، وبالتالي فإن التحليل السيميائي هو تحليل للخطاب ،وإن فلسفة العلامة تهتم ببناء نظام لإنتاج الأقوال والنصوص، ومن هنا ينطلق التحليل السيميائي مما انتهت إليه جهود اللسانيين حول ما توصلت إليه النظرية العامة للغة.ولكن في الجهة المقابلة فإن العلامة( العلامات ) هي قبل كل شيء حالة إبداعية ترميزية تسبح في فضاء إبداعي من الرموز تحمل رسالة إلى المتلقي بطريقة إبداعية ، فيأتي التحليل السيميائي (الرؤية النقدية ) ليكشف عن نظام العلامات في النص الإبداعي لما تحمله من رموز ثقافية واجتماعية ، ومن هنا يتحقق التواصل بين الناس عن طريق الشفرات أو العلامات بين الباث والمتلقي .
16 ـ هل الأدب وسيلة لنفي الآخر أم للتواصل معه؟

حتى ولو افترضنا جدلا أن الأدب وسيلة لنفي الآخر ، فهو في هذه الحالة تواصل معه بشكل من الأشكال. ومن هذا المدخل نقر بان الأدب من أحدى مهامه الأساسية هو التواصل ، فطبيعة اللغة هي التي تحقق هذه المقصدية . فتاريخ الإبداع العالمي هو تاريخ التواصل مع الآخر .
17 ـما هو الحدّ الفاصل بين التّناص والسرقة الأدبية وفق رأيك؟

التناص مصطلح سيميائي معاصر يدل على تداخل النصوص وتفاعلها ، وأن النصوص تنتج بعضها بعضا وقد يظهر هذا التفاعل النصوصي بمستويات مختلفة فأحيانا بطريقة مكشوفة وأخرى بطريقة ضمنية تحتاج إلى قارئ حصيف ليقبض عليها، وهو ظاهرة طبيعية وصحية بين النصوص ، ذلك أن أي مبدع ليس بإمكانه أن ينتج أي نص من فراغ إلا من خلال قراءاته الواسعة في النصوص السابقة ، التي تشكل له رصيدا ومعينا يغرف منه عند كل حالة من حالات الكتابة سواء أكانت الكتابة تعيينيةأم إيحائية .ومن هنا فإن تاريخ الآداب هو تاريخ التناص الذي يساعد النصوص على أن تفسر بعضها بعضا. أما مصطلح السرقة في مفهومه المباشر فإنه يدل على الأخذ غير الشرعي للنصوص الإبداعية وغيرها وإلحاقها إلى الشخص . ومن هنا كانت السرقات المفضوحة مرفوضة ومحرمة لأنها تعد اعتداء على ملك الغير ، ولا يختلف أمرها عن السرقات في المجال المادي ، وهنا يكمن الحد الفاصل بين السرقات التي هي غصب واعتداء سافر وموصوف على النصوص دونما حرج في ذلك .أما التناص فهو تفاعل مشروع بين النصوص. غير أنه ينبغي العودة إلى مصطلح السرقات الأدبية الذي ورد استعماله في التراث النقدي العربي القديم والذي انطوت تحت مظلته مصطلحات كثيرة دلت على النقد العربي القديم تمثل مفهوم السرقات الأدبية تمثلا واعيا على أنها شكل من أشكال التناص ، وبهذه الفكرة يكون تراثنا النقدي قد تعرض إلى فكرة التناص دون أن يشير إلى المصطلح بالصيغة المعاصرة ، ويعد ابن رشيق القيرواني في عمدته أحد الأعلام الفكر النقدي القديم الذي تعرض إلى هذه المسألة بشكل دقيق.
18ـ ماهي الفجوة بين التراث العربي والفكر الغربي المعاصر بما يخصّ نظرية النّص؟

ينبغي بادئ ذي بدء أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، فنظرية النص بوصفها نظرية ألسنية غربية بامتياز ، هي ثمرة إنجازات المنظرين والباحثين في الحقل اللساني والحقل النقدي والحقل الأسلوبي ،فضلا عن التحولات التي طرأت على مفهوم النص ، والتي تستمد وجودها من الأطر الفكرية والفلسفية والعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ، مما أعطى للنص قوة فاعلة. وجاءت نظرية النص لتقوم بوظيفة التأويل والتفسير والبحث عن القوانين والعلاقات التي تحكم النص وتنظمه، وبالتالي فهي التقرب العلمي من النص من خلال البحث عن العلاقات التي تحكم البناء النصي والكشف عن هويته وطريقة نسجه، تمهيدا لقياس وتقويم عطاء النص . إن هذا لا يلغي الإنجازات الهامة والجهود المعتبرة التي بذلها علماؤنا في التراث العربي القديم ،التي تؤكد على اهتمام الدرس اللغوي والنقدي بالتنظير للنص وبالأخص النص الشعري عند الجاحظ والحاتمي والجرجاني والقرطاجنيوالسجلماسي، وعلى الرغم من أهمية الجهود المبذولة إلا انها لا ترقى إلى مستوى النظرية النصية المعاصرة، وهذا لا يقلل من قيمة هذه الجهود، إنما يجب أن نقر أن الظروف والمعطيات العلمية التي توفرت لنظرية النص المعاصرة لم تكن متوفرة لدى علمائنا قديما.، وهنا تكمن الفجوة .
19ــ هل هناك مشكلة حقيقيّة في المصطلح النقدي العربي؟وماجذور هذه المشكلة؟

طبعا فإن إشكالية النقد العربي المعاصر ، هي إشكالية المصطلح نقدي نفسه، وبالتالي فلا يمكن فصل المصطلح عن النقد . وقد طرح المصطلح النقدي إشكاليات كثيرة في المجال الألسني والمجال النقدي، حيث شهدت الساحة الفكرية والثقافية العربية ظهور مصطلحات نقدية جديدة ومترجمة أو معربة لم تكن مألوفة ، مما أثار إشكالية نقدية كبيرة نتيجة التناقضات التي عرفها المصطلح الواحد في الممارسة النقدية، على الرغم من الجهود التي بذلها المعجميون والمترجمون إلا ان الإشكالية ما تزال قائمة بسبب عدم التزام كثير من المترجمين واللسانيين والنقاد بالجهود المشتركة .وفي تقديري فإن معالجة هذه المشكلة تقتضي العودة إلى الجذور المسببة لهذه المشكلة والتي جعلت المصطلح موضع تجاذب متباين ، ويتعلق الأمر بالمصطلح النقدي في التراث النقدي والبلاغي ، فضلا عن المصطلح في أصوله الغربية وصراع المناهج والنظريات المعرفية ، والاجتهادات الفردية التي تسعى إلى توليد مصطلحات جديدة.
20ــ ما الجديد في كتابك “ البنيوية التكوينية مقاربة نقدية في التنظير والإنجاز“؟

أنا لم أدع بأنني أتيت بشيء جديد في كتابي الذي صدر مؤخرا والموسوم ” البنيوية التكوينية ، مقاربة نقدية في التنظير والإنجاز” كل ما في الأمر أنني قمت بتأصيل عميق للمنهج البنيوي التكويني بالعودة إلى مرجعياته الفلسفية الأبستمولوجيا والأسلوبية، وهذا بهدف إعادة تركيب الجهاز المفاهيمي للمنهج وإعطاء المحتوى الحقيقي لمقولاته وآلياته ليتمكن الباحث العربي من تمثلها و’أجرأتها‘ في الممارسة النقدية، وقد دفعني إلى ذلك لما بدا لي في بعض القراءات النقدية العربية من خلط من جهة وارتباك صريح في الطرح النظري للمنهج من جهة ثانية . ولتستقيم الرؤية المنهجية رأيت من اللازم أن يحتوي الكتاب على قسم تطبيقي ليتمثل القارئ العربي حقيقة البنيوية التكوينية تنظيرا وممارسة ، بهدف توضيح الصورة المنهجية للقارئ العربي الذي يطمح إلى إنجاز قراءة دقيقة أو قريبة من الدقة للبنيوية التكوينية وفق ما تقتضيه أصول المنهج .
21ـ هل هناك إشكاليّة في تعليمية المدارس النقدية المعاصرة للطالب العربي؟ وماهي هذه الإشكاليّة؟

نعم تطرح تعليمية المدارس أو المناهج النقدية المعاصرة إشكالية بالنسبة للطالب الجامعي العربي الذي يرغب في أن يتخصص في النقد الأدبي المعاصر ، فقد كشفت البحث الميداني الذي أنجزناه بهدف تقويم نتائج اختبارات التي أجريت على طلبة السنة الرابعة بكالوريوس ( ليسانس) في المناهج النقدية المعاصرة أن النتائج المتحصل عليه في هذا المتطلب تكاد تكون في رمتها ضعيفة ومحدودة ، وكشف التقويم الذي أجري على عينة واسعة من الطلبة أن أسباب الفشل في النتائج يرجع إلى الافتقار في الإعداد للمتطلبات أو لضعف أساليب الإلقاء والتدريس . وبات وضحا لنا أن تنفيذ المتطلبات التي تتعلق بالمناهج النقدية المعاصرة يقتضي أن تتوفر لدى الطالب العربي بشكل عام معارف ومهارات ومواقف ذات صلة بالمتطلبات والتي ينبغي على الطالب العربي أن يعرفها قبل أن يقبل على دراسة المناهج النقدية المعاصرة ، وهذه المسائل لم تراعيها المنظومة الجامعية في إعداد المتطلبات التي من شأنها أن تهيء السبيل للطالب لدراسة هذه المناهج ، ومن هنا يكمن الإشكال ، فتبدو المتطلبات المقررة للمناهج النقدية غريبة غامضة ومبهمة بالنسبة للطالب لأنه يمتلك الأدوات المعرفية الكافية التي من شأنها أن تساعده على تمثل هذه المتطلبات . فكيف يمكن أن نعلم التلميذ القسمة وهو يجهل كلية عمليات الجمع والطرح والضرب. أعتقد أن المسألة أصبحت واضحة الآن .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*